سيد محمد طنطاوي
497
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
كما تدخل في الواقعة حالا عن المعرفة في قولك : جاءني رجل ومعه آخر ، ومررت بزيد وفي يده سيف ، ومنه قوله - تعالى - : وما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ . وفائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف ، والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر وهي التي أذنت هنا بأن قائلى ما ذكر ، قالوه عن ثبات علم ، وطمأنينة نفس ، ولم يرجموا بالظن كما رجم غيرهم فهو الحق دون القولين الأولين . . . « 1 » . ثم أمر اللَّه - تعالى - النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم أن يخبر الخائضين في عدة أصحاب الكهف ، بما يقطع التنازع الذي دار بينهم فقال : * ( قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ) * . أي : قل - أيها الرسول الكريم - لمن خاضوا في عدة أصحاب الكهف : ربي - عز وجل - أقوى علما منكم بعدتهم - أيها المتنازعون ، فإنكم إن علمتم عنهم شيئا علما ظنيا . فإن علم ربي بهم هو علم تفصيلي يقيني لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها . ثم أثبت - سبحانه - علم عددهم لقليل من الناس فقال : * ( ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ) * أي : ما يعلم عدة أصحاب الكهف إلا عدد قليل من الناس . ولا تعارض بين هذه الجملة وبين سابقتها ، لأن علم هذا العدد القليل من الناس بعدة أصحاب الكهف ، هو علم إجمالى ظني . . أما علم اللَّه - تعالى - فهو علم تفصيلي يقيني شامل لجميع الأزمنة . فضلا عن أن علم هؤلاء القلة من الناس بعدة أصحاب الكهف ، نابع من إعلام اللَّه - تعالى - لهم عن طريق الوحي كالرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم أو من يطلعه الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم على عدتهم . قال ابن عباس - رضى اللَّه عنهما - : أنا من أولئك القليل ، كانوا سبعة ، ثم ذكر أسماءهم . ثم نهى اللَّه - تعالى - رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلم عن الجدال المتعمق في شأنهم ، كما نهاه عن استفتاء أحد في أمرهم فقال - تعالى - : * ( فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً . ولا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً ) * . والمراء : هو الجدال والمحاجة فيما فيه مرية ، أي : تردد . مأخوذ من مريت الناقة إذا كررت مسح ضرعها للحلب .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 241 .